الغزالي
93
إحياء علوم الدين
حتى تصير أجزاؤها بخارا يتصاعد منها ، فلو لم يتصل بالرطوبة مدد من الغذاء ، يجبر ما انحل وتبخر من أجزائها ، لفسد الحيوان . فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان ، وخلق في الحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء ، كالموكل به في جبر ما انكسر ، وسد ما انثلم ، ليكون ذلك حافظا له من الهلاك بهذا السبب وأما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الإنسان ، فكالسيف ، والسنان ، وسائر المهلكات التي يقصد بها ، فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه ، فتدفع المهلكات عنه ، فخلق الله طبيعة الغضب من النار ، وغرزها في الإنسان ، وعجنها بطينته ، فمهما صد عن غرض من أغراضه ، ومقصود من مقاصده ، اشتعلت نار الغضب ، وثارت به ثورانا يغلى به دم القلب وينتشر في العروق ، ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار ، وكما يرتفع الماء الذي يغلى في القدر . فلذلك ينصب إلى الوجه ، فيحمر الوجه والعين ، والبشرة لصفائها ، تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم ، كما تحكي الزجاجة لون ما فيها . وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه ، واستشعر القدرة عليه . فإن صدر الغضب على من فوقه ، وكان معه يأس من الانتقام ، تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب ، وصار حزنا . ولذلك يصفر اللون . وإن كان الغضب على نظير يشك فيه ، تردد الدم بين انقباض وانبساط ، فيحمر ويصفر ويضطرب وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب ، ومعناها غليان دم القلب بطلب الانتقام . وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها ، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها . والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها ، وفيه لذتها ، ولا تسكن إلا به ثم إن الناس في هذه القوة على درجات ثلاث في أول الفطرة ، من التفريط ، والإفراط والاعتدال . أما التفريط ، فبفقد هذه القوة أو ضعفها ، وذلك مذموم . وهو الذي يقال فيه إنه لا حمية له . ولذلك قال الشافعي رحمه الله ، من استغضب فلم يغضب فهو حمار فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلا ، فهو ناقص جدا . وقد وصف الله سبحانه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالشدة والحمية ، فقال * ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) * « 1 » وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم * ( جاهِدِ الْكُفَّارَ والْمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) * « 2 » الآية . وإنما الغلظة والشدة
--> « 1 » الفتح : 29 « 2 » التحريم : 9